البيئة والتنمية المستدامة في العراق جدلية الاستغلال والحماية

Authors

  • وليد عبد جبر, م.د. كلية الآداب – جامعة واسط ,

DOI:

https://doi.org/10.31185/lark.Vol1.Iss14.798

Abstract

خلال العقود الثلاثة المنصرمة ، ومع تفاقم تداعيات المشكلات البيئية تحولت إلى قضايا ساخنة تفرض نفسها بشدة في شتى أنحاء العالم ، على المستويين الرسمي للمتخصصين بشؤون البيئة ، أو على المستوى الاجتماعي ، من حيث مستوى معيشة الناس ، إينما وجدوا وحيثما كانوا ، وظروف حياتهم ، ومستواهم التعليمي والثقافي . فالجميع أصبح متأثراً ، بل ومتضرراً من تردي  المقومات البيئية . ومما تجدر الإشارة إليه ، إلى أنه ليس كل المعنيين يبدون إهتماماً بالمشكلات البيئية ويولون جهداً لمعالجتها ، مع أن هؤلاء يدركون أن من يرغب بالعيش بأمان ويسعى بالخير للآخرين ، مُطالب بحماية البيئة والعناية بها يداً بيد مع الآخرين ، الذين يشتركون معهم بالواقع المعاش في ظل البيئة ذاتها .

كما وان حماية البيئة والعناية بها مهمة وترتبط ارتباطا وثيقاً بوعي الإنسان وثقافته البيئية ، وفي هذا المجال يكون للتربية البيئية دوراً كبيراً في خلق الوعي والثقافة البيئية ، وبالتالي في حماية البيئة ورعايتها وتحسينها وتطويرها .

وخلال هذه العقود من الزمن شهد العالم إدراكاً متزايداً بأن نموذج التنمية الحالي (نموذج الحداثة) لم يعد مستداماً ، بعد أن أرتبط نمط الحياة الاستهلاكي المنبثق عنه بأزمات بيئية خطيرة ، مثل فقدان التنوع البيئي ، وتقلص مساحات الغابات المدارية ، وتلوث الماء والهواء وارتفاع درجة حرارة الأرض والفيضانات المدمرة الناتجة عن ارتفاع منسوب مياه البحار والأنهار ، واستنفاذ الموارد غير المتجددة ، مما دفع بعدد من منتقدي ذلك النموذج التنموي الى الدعوة الى نموذج تنموي بديل مستدام يعمل على تحقيق الانسجام بين تحقيق الأهداف التنموية من جهة ، وحماية البيئة وأستدامتها والحفاظ على حقوق الأجيال اللاحقة من جهة أخرى . ولذلك فأن شيوع فكرة التنمية المستدامة في أدبيات التنمية السياسية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي ، مثل في جزء منه محاولة ليتجاوز إخفاق النظرية السلوكية في مجال التنمية ، التي تبنت نموذج الحداثة ، والبحث عن نموذج جديد يعمل على التوفيق بين متطلبات التنمية والحفاظ على بيئة سليمة مستدامة . ([i])

أما على المستوى السياسي فقد بدأ المجتمع الدولي  منذ العقد الثامن من القرن الماضي ، يدرك مدى الحاجة الى مزيج من الجهود السياسية والعلمية لكل مشاكل البيئة ، وعندها أصبح مفهوم التنمية المستدامة يمثل نموذجاً معرفياً للتنمية في العالم ، وبدأ يحل مكان برنامج "التنمية بدون تدمير" (Development without Destruction) الذي قدمه برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في السبعينيات ، ومفهوم "التنمية الايكولوجية"(Ecodevelopment) الذي تم تطبيقه في ثمانينيات القرن الماضي ، ووصل الاهتمام العالمي بالقضية البيئية ذروته مع تبني مفهوم التنمية المستدامة على نطاق عالمي في مؤتمر "قمة الأرض" (Erath Summit) الذي عقد في مدينة "ريودي جانيرو" عام 1992 . ([ii])

وقد برز هذا الاهتمام العالمي بقضية البيئة بوضوح في تأكيد منهجية التنمية الإنسانية وفقاً لتقرير التنمية العالمي لعام 1995 ، على عنصر الاستدامة ، من خلال التأكيد على عدم إلحاق الضرر بالأجيال القادمة بسبب إستنزاف الموارد الطبيعية وتلويث البيئة أو بسبب الديون العامة التي تتحمل أعبائها الأجيال القادمة ، أو بسبب عدم الاكتراث بتنمية الموارد البشرية مما يخلق ظروفاً صعبة في المستقبل نتيجة خيارات الحاضر . ([iii])

أما بخصوص البيئة العراقية ، فقد شهدت وعلى وجه الخصوص منذ مطلع القرن العشرين وحتى وقتنا الراهن ، عملية متواصلة من التفكك والتغير والتبدل ، تقتضي جهوداً كبيرة لإصلاحها وحمايتها . فمستويات التدهور والتعرية والتخريب ، وما تركته الحروب المتلاحقة وأعمال العنف والإرهاب ، ربما كان الأسرع  في تاريخ العراق الطويل . فأشكال التنمية المضرة بالبيئة ، وضعف الاستقرار أدت لتجاوزات كبيرة على الموارد الطبيعية والبشرية .

وأسهمت قطاعات الصناعات والإنشائية والكيميائية ( النفطية) بأضرار جدية ، بما تطلقه من الملوثات وعلى الرغم من توفر تكنولوجيا نظيفة وغير مؤذية للبيئة ، إلا أن فرص تطبيقها لا تزال نادرة في بلادنا . كما ان أتساع دائرة استيراد مختلف انواع السلع ( الاستهلاكية والتجارية وغيرها) ، وضعف الرقابة ، فضلاً عن مخلفات الحروب ، تشكل بمجملها أضعافاً للبنية التحتية للنظام البيئي ([iv]) .

وتحاول حركة الاستدامة اليوم تطوير وسائل اقتصادية وزراعية جديدة ، تكون قادرة على تلبية احتياجات الحاضر وتتمتع باستدامة ذاتية على الأمد البعيد ، خصوصاً بعد ما تبين أن الوسائل المستخدمة حالياً في برامج حماية البيئة تتطلب قدراً كبيراً من المال والجهد لم تعد مجدية ، نظراً لأن المجتمع الإنساني ذاته ينفق مبالغاً وجهوداً أكبر في شركات ومشاريع تتسبب في إحداث مثل تلك الأضرار . وهذا التناقض القائم في المجتمع الحديث بين الرغبة في حماية البيئة واستدامتها وتمويل الشركات والبرامج المدمرة للبيئة ، في الوقت ذاته ، هو الذي يفسر لنا سبب الحاجة الماسة لتطوير نسق جديد مستدام يتطلب إحداث تغييرات ثقافية واسعة فضلاً عن إصلاحات  زراعية واقتصادية تنعكس بشكل إيجابي على الواقع الاجتماعي . ونشر الثقافة البيئية في المجتمع عامل مهم لتحقيق التنمية المستدامة ، لأنها تهدف للحفاظ على حقوق الاجيال اللاحقة ، وذلك يكمن في حماية البيئة .

 

([i])الغامدي ، (د) عبد الله جمعان ، التنمية المستدامة ، الرياض  السعودية ، آب ، 2007 ، ص2 .

([ii])المصدر نفسه ، ص2-3 .

([iii])المصدر نفسه ، ص3 .

([iv])حنوش ، (د) علي ، حالة البيئة العراقية وآليات حمايتها ، مقال منشور في موقع المهندس  الزراعي  ، في 5 ت 2 ، نوفمبر ، 2010 ، على الموقع الالكتروني :

http:\ www.agreng-iq.com/php/596.

References

Published

2019-05-23

Issue

Section

Miscellaneous research

How to Cite

جبر و. ع. (2019). البيئة والتنمية المستدامة في العراق جدلية الاستغلال والحماية. Lark, 6(2), 345-366. https://doi.org/10.31185/lark.Vol1.Iss14.798