يقظة الفيلسوف اضواء على موقف بدوي الاخير من المستشرقين
DOI:
https://doi.org/10.31185/lark.Vol1.Iss14.792Abstract
في مساء يوم شتائي باريسي بارد من شهر كانون لاول سنة 2001 كان الدكتور عبد الرحمن بدوي يتنزه في احد شوارع العاصمة الفرنسية ،وفجأة زلت قدمه وسقط على رصيف الشارع بقسوة ، واغمي عليه ،نقل بعدها الى احد المستشفيات ،وبعد عشرين يوما استيقظ من غيبوبته – ومن هذه اليقظة كان عنوان البحث ورمزيته بنفس الوقت - ،وحين سأله الطبيب من انت ؟ قال له : انا فيلسوف مصري . انها اليقظة التي اعادته الى بلده بعد غيبة لاكثر من ثلاثين سنة ،لكنها ايضا اليقظة التي قادته الى نهايته ،اذ توفي بعد اشهر من عودته نتيجة لسقطتته تلك .وهكذا افل نجم من سماء الفلسفة العربية ،بل نجمها الاكثر لمعانا .فالجميع يعرف وبالاخص المتخصصين منهم في حقل الدراسات الفلسفية ،ان كتابات عبد الرحمن بدوي متعددة ،وجهوده متشعبة وانتاجه ضخم ، وهو من السعة والثراء بحيث تعجز عن القيام به هيئات علمية ذات امكانيات كبيرة ،لكن هذا ما قام به بدوي بمفرده ، فقد قدم طوال حياته الفكرية مايربوا على المائة والثلاثين كتابا في حقول الفلسفة والفكر المختلفة فضلا عن مئات المقالات والبحوث .طوال 65 سنة من عمره .
فهو يمثل اكبر سياحة فكرية يقوم بها مفكر عربي في حقل الفلسفة وربما في بقية حقول المعرفة ،انه بلا مبالغة يعادل انتاج مؤسسة اكاديمية قائمة بذاتها .وقد وصفه حسن حنفي في كتابه حوار الاجيال ، بانه الفيلسوف الشامل . وبدوي من المفكرين الذين يعلنون بكل وضوح انتمائهم الفلسفي،فهو ينتمي الى الوجودية الملحدة ممثلة بابرز فلاسفتها هايدغر . في حين انه لم يشعر باي تقدير لسارترمن الناحية الفلسفية ولم يعتبره ابدا فيلسوفا وجوديا فهو مجرد اديب[1].
وبالنسبة لموضوع بحثنا حول موقف بدوي من المستشرقين وتطور هذا الموقف في مراحل حياته الفكرية فهو امر ملاحظ بوضوح . فموقفه من المستشرقين لم يكن موقفا واحدا وثابتا طوال مسيرته الفكرية ،فهناك مواقف متعددة تجاه المستشرقين واعمالهم . وتختلف هذه المواقف باختلاف موضوع دراساتهم وباختلاف مواقفهم ،وباختلاف مراحل تطور فكر عبد الرحمن بدوي نفسه . فقد لاحظ في بداية حياته الفكرية اجتهاد المستشرقيين ،وانكبابهم على العمل ،وغزارة انتاجهم ،اذ احتك ببعظهم حين كانو يلقون المحاضرات في الجامعة المصرية ،والبعض الاخر عن طريق سفراته ،فتركوا لديه انطباعا جيدا ،بل واثاروا اعجابه الشديد .لكنه في خريف العمر ،تيقظ مفكرنا فادرك احقادهم ومثالبهم ومواقفهم غير الموضوعية تجاه الاسلام ،فتصدى لهم بالنقد في كتاباته الاخيرة ،وبالأخص في كتابيه الدفاعيين عن القرآن والنبي الكريم .
ويميز الدكتور احمد عبد الحليم عطية بدراسته (المماثلة والمقابلة ) بين ثلاث مراحل من موقف بدوي تجاه المستشرقين . تميزت كل منها بموقف محدد تجاه المستشرقين واعمالهم
[1]- عبد الرحمن بدوي –سيرة حياتي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر–بيروت 2000ط1 –ج1 ص183-184
