حركة الإخوان في الوثائق البريطانية

  • صالح محمد حاتم, أ.د جامعة مبسان/كلية التربية/قسم التاريخ
  • مؤيد عاصي سلمان, أ.م.د جامعة مبسان كلية التربية قسم التاريخ

الملخص

شغلت الحركات السلفية ، التي حملت أفكار تجديدية إسلامية ، حيزاً من مسار الأحداث التاريخية للمنطقة العربية والإسلامية بجانبيها الشرقي والغربي ، بل وأسهمت بشكل أو بآخر في تغيير مجرى هذه الأحداث ، وطبيعة المجتمعات التي عاشت حيثياتها وإرهاصاتها ، كما وكشفت النقاب عن مدى تأثير الجوانب الروحية على الرأي العام وتحريكه من قبل قادة هذه الحركات بالاتجاه الذي يحقق أهدافهم وطموحاتهم الروحية أو السياسية ، مثلما حصل هذا مع الحركة السنوسية في ليبيا والمهدية في السودان ، والوهابية في الجزيرة العربية. مما أستقطب هذا الأمر اهتمام المؤرخين والكتاب والباحثين العرب والأجانب الذين عاصروا هذه الحركات وعاشوا أحداثها وتعرفوا على شخوصها أو الذين جاءوا بعدهم ، فجادت أقلامهم بالكثير من التفاصيل عن هذه الحركات والدور الذي أدته في المنطقة العربية بوقوفها ضد الغزاة المستعمرين ، أو لتحقيق مآرب سياسية مستغلة حالة التشرذم التي كانت تعيشها الأمة العربية في ظل الاحتلال العثماني. وضمن هذا السياق وردت بعض التقارير والمذكرات التي دونها الجواسيس أو القناصل والمقيمين السياسيين الذين ارتادوا المنطقة أو أقاموا فيها فكان من بين هذه الكتابات التي وقعت تحت أيدينا ((مذكرات الجاسوس البريطاني همفر في البلاد الإسلامية)) الذي تطرق إلى الحركة الوهابية وحياة زعيمها محمد بن عبد الوهاب ، وكذلك مذكرة بعنوان ((ملاحظات حول حركة الإخوان)) للمقدم _(ديكسن) وهي موضوع دراستنا والتي جاءت بشيء من التفصيل عن حركة الإخوان والتي هي وريثة الوهابية وحاملة أفكارها ، بل إنها الجناح العسكري لها ، والتي من خلالها تمكن آل سعود من تكوين دولتهم المنشودة ، وقد وجدنا من المفيد ترجمة هذه المذكرة وتحقيقها لأماطت اللثام عن تاريخ هذه الحركة وظروف نشأتها وتطورها خدمة للبحث والحقيقة العلمية ، وفسح المجال أمام الباحثين والآخرين المهتمين بتاريخ المنطقة للإفادة منها. وليوفقنا الله جميعاً لخدمة تاريخ أمتنا.حركة الإخوان في الوثائق البريطانية

المراجع

1. أصل هذا البحث مذكرة بريطانية بعنوان (ملاحظات حول حركة الإخوان) ، دونت في مايس 1920 بقلم أ.ج.أر.بي.ديكسون. والأخير هو (Lieutenant Colonel Harlod Richard Patrick Dickson) المقدم هارلود ريجارد باتريك ديكسون (1881-1959) دخل الجيش عام 1903 ، وخدم في العراق عام 1914م ، ثم نقل إلى القسم السياسي في عام 1915 ، وعين حاكماً سياسياً للناصرية للمدة 1917-1919 ، ووكيلاً سياسياً للبحرين للمدة 1919 – 1920 ، ومستشاراً لمتصرف لواء الحلة للمدة 1921-1923. ثم صار سكرتيراً خاصاً (لمهراجا باكنر) Bikaner في عام 1927 ، وسكرتيراً خاصاً للمقيم السياسي في الخليج العربي للمدة 1928 – 1929. وأصبح وكيلاً سياسياً في الكويت للمدة 1929-1936. وكذلك في عام 1941. وبعدها عين موظفاً في شركة نفط الكويت. ينظر (Peulope Tuson , British Policy in Asia , India , Office Memoranda , First Published , 1980,P.15).
2. عرف (ابن سعود) بهذا الاسم في الوثائق البريطانية ، وهو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي (1901-1953). على اثر تمكن آل رشيد من دخول الرياض عام 1883 وإنهاء حكم آل سعود لها ، انتقل عبد العزيز ووالده للإقامة في الإحساء ، ثم انتقلا منها إلى قطر ، وبعدها أقاما في الكويت بموافقة السلطات العثمانية. ونظراً لسوء العلاقة بين آل رشيد والقبائل المعارضة في نجد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ، دفع هذه القبائل إلى استدعاء عبد الرحمن بن فيصل ليتزعمها ، فاستغل ولده عبد العزيز هذه الظروف وأغار على الرياض. وتمكن من دخولها عام 1901 م ، إلا انه انسحب منها في العام نفسه ، ثم عاد إليها في العام التالي بقوة أكبر وتمكن من السيطرة عليها ، وأنشأ حكومته فيها.
ينظر للتفاصيل :
H.st.John Philby , Saudi Arabia , Published by Arnest Bennltd , (Britain 1955), p.230.
- جمال زكريا قاسم (د) ، الخليج العربي ، دراسة لتاريخ الإمارات العربية ، 1840-1914 ، ط2 ، الكويت ، 1974 ، ص300-301.
3. ويرى الباحثان ، إن ابن سعود ربما كان لا يرغب لجماعته الاتصال بالغرباء والأجانب، لكي لا يتأثروا بأفكارهم أو وجهات نظرهم ، أو قد يتم إغرائهم بالمال أو وسائل أخرى ، فيؤثر ذلك على سلوكهم وطباعهم ، وبالتالي قد يؤثر ذلك على مقدار ولائهم وطاعتهم إليه.
4. يلاحظ هنا إن المستر ديكسون يحاول جمع معلوماته بشأن حركة الإخوان عبر أكثر من مصدر ، وذلك لصعوبة الحصول عليها من مصدر واحد معين قريب من ابن سعود ، هذا فضلاً عن رغبته في تنوعها لغربلة الغث من السمين منها. ولم يتورع ديكسون – شأنه شأن الجواسيس البريطانيين – في أتباع أسلوب الجاسوسية والمخبرين في الحصول على ضالته من المعلومات. وهذا ما جبل عليه الأجانب بصورة عامة. والانكليز بشكل خاص في المناطق العربية والإسلامية. وبإتباع شتى الوسائل المغرية (المال ، الخمر ، النساء) منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي. وهذا ما يعزز رأينا آنف الذكر.
5. يتضح هنا ، إن صاحب المذكرة قد ميز بين حركة الإخوان والحركة الوهابية ، في حين أنهما وجهان لعملة واحدة ، إذ إن الإخوان هم الجناح العسكري للحركة الوهابية ، الذي يقوده ابن سعود بهدف تثبيت أركان حكمة تحت ستار أفكار ومعتقدات الوهابية المتعصبة العنصرية. وبهذا نجد إن ابن سعود يسير على هدي خطوات جده محمد ابن سعود الذي عقد تحالفاً مع محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية ، محققاً رغبتهما معاً ، بتأسيس دولة في نجد، عاصمتها الدرعية وبمباركة بريطانية ، التي قضى عليها إبراهيم باشا نجل محمد علي باشا حاكم مصر في عام 1818.
- للتفاصيل أنظر : سيار كوب الجميل (د) : تكون العرب الحديث ، ط1 ، الموصل ، 1991 ، ص309-313.
6. منذ أن انتزاع ابن سعود الحكم من آل رشيد في الرياض عام 1902 ، احتفظ هو برئاسة الحكومة وقيادة الجيش ، وترك لأبيه عبد الرحمن لقب الإمامة. ومنذ ذلك الحين أخذ يعرف ابن سعود بلقب (حاكم نجد) أو (الحاكم). انظر : محمد جواد مغنيه ، هذه هي الوهابية ، ط2 ، بيروت ، 1993 : ص105 ، وبهذا الصدد تشير وثيقة بريطانية إلى انه (يطلق على ابن سعود بالنسبة للبريطانيين لقب صاحب السعادة أو صاحب الشرف أمير نجد أو الأقسام الوسطى في شبه الجزيرة العربية. ويطلق عليه في الأقاليم التي يحكمها لقب الإمام من قبل الرجال المحترمين ، أما البدو فيطلقون عليه عادة عبد العزيز أو الحكام (جمع حاكم). وفي الرياض قد يحصل فرصة لإساءة فهم إطلاق لقب الإمام عليه ، لان هذه اللقب يخص أبيه عبد الرحمن ، ولم يقبل ابن سعود أن يطلق عليه لقب الأمير لان هذا اللقب يطلق عادة في الريف على رؤساء المدن والقرى ، وهو يفضل اللقب الرسمي (حاكم نجد). أنظر :
1.0.B286,p6. Ibn Suud, Notes by colonel Hamilton , Political Agent , Kuwait , based on conversation at Riyadh in November 1917.
7. ابن جلوي : هو عبد الله ابن جلوي ، من الإتباع المقربين لابن سعود ، وقد بادر إلى قتل عجلان وأفراد حاميته أثناء هجوم ابن سعود على الرياض عام 1902 ، وكان أميراً على منطقة القصيم ، وعند احتلال العثمانيين القطيف واعتدائهم على السكان هناك عينه ابن سعود أميراً عليها ، فساد الأمن فيها بعد ذلك. أنظر : ((نظرة في الإحساء)) ، مجلة لغة العرب ، الجزء الأول ، السنة 3 ، تموز 1913، ص40 ؛ ومحمد جواد مغنية ، المصدر السابق ، ص105.
8. يظهر إن ذهاب (الإخوان) إلى مكة يحدث مشاكل معينة تتمثل بتعصب هؤلاء تجاه بعض عقائد الإسلام في مكة ، فينعكس هذا على العلاقات بين أمراء الحجاز وابن سعود. فكان الأخير يخشى هذا الأمر ، لأنه كان بأمس الحاجة إلى الاستقرار بهدف تثبيت أركان حكمه.
9. يعتقد صاحب المذكرة إن أفكار حركة الإخوان ، والتي هي تجديداً للحركة الوهابية ، مستوحاة من المدرسة السلفية التي أشرف عليها الإمام احمد ابن حنبل الخلافة العباسية ، إلا إن الحقيقة غير ذلك. إذ إن الوهابية جاءت تطبيقاً عملياً لأفكار ابن تيمية المتطرفة ، التي ظلت في بطون الكتب لعهد طويل حتى أحياها محمد بن عبد الوهاب. إلا أن الأخير درس الفقه الإسلامي على مذهب احمد بن حنبل.
10. شكلت الحركة الوهابية آنذاك خطراً كبيراً على نفوذ العثماني ، في منطقة المشرق العربي بسبب سيطرتها على وسط شبه الجزيرة العربية ، ومنطقة الحجاز ، وتوجهها نحو بلاد الشام. وأطراف العراق الغربية ، وعرقلتها لسير القوافل التجارية والحجيج القادمين من مصر والشام والعراق ، وحرمانها الباب العالي من موارد مادية مهمة جداً ، هذا فضلاً عن تخوف العثمانيين من سيطرة الوهابيين على الحرمين الشريفين في مكة والمدينة ، فتفقد الخلافة العثمانية هيبتها في العالم الإسلامي ، لاسيما وان المسلمين قد ضاقوا ذرعاً من تعسف الوهابيين وتطرفهم ، بسبب إجبارهم الناس على قبول أفكارهم المتطرفة بالقوة، وإتباعهم أسلوب النهب والسلب للأموال والممتلكات ، وعدم تورعهم عن قتل الشيوخ والنساء والأطفال. مما دفع السلطان محمود الثاني (1808-1839م) للاستعانة بوالي مصر محمد علي باشا – الذي كان يمتلك جيشاً قوياً – فلبى الأخير نداء السلطان ، بهدف تحقيق طموحه بتكوين دولة حديثة تضم أطراف المشرق العربي ، وقلقه من النفوذ البريطاني في منطقة الخليج العربي. فأرسل ابنه إبراهيم باشا بجيش كبير ، تمكن به من دحر الوهابيين واحتلال عاصمتهم (الدرعية) في عام 1818م. أنظر : عبد الرحمن (د) تاريخ العرب الحديث والمعاصر ، ط2 ، القاهرة ، ص79-90.
11. الإخوان : اشتقت هذه الكلمة من نظام (المؤاخاة) في الإسلام الذي عمل به الرسول محمد (ص) بعد هجرته من مكة إلى المدينة المنورة ، إذ آخى بين المهاجرين والأنصار. وظلت كلمة الإخوان خالدة في قلوب المسلمين ، حتى أطلقها جماعة ابن سعود على أنفسهم ، وهم سكان الهجر التي أقامها ابن سعود ، ويمثلون نواة الجيش شبه النظامي الذي اعتمد عليه ابن سعود في إقامة دولته. أنظر : زاهية قدورة ، شبه الجزيرة العربية وكياناتها السياسية ، بيروت ، (د.ت) ، ص51 ؛ صادق حسن السوداني ، جماعة الإخوان ، جيش ابن سعود النظامي ، مجلة الخليج العربي ، العدد 10 ، مركز دراسات الخليج العربي ، 1978 ، ص100.
12. الارطاوية : وهي أول مدينة (هجرة) أسست للإخوان في عام 1912 على آبار الارطاوية ، وسكنها سعد بن مثيب من حرب ، ولم يكن فيها قبل التأسيس داراً واحدة ، بل كانت مورد ماء من موارد نجد الشمالية الشرقية ، وتقع شمال شرق الزلفى على الطريق من الكويت إلى القصيم. وأعطيت لفيصل بن سلطان الدويش وجماعة من مطير بعد أن وافق الدويش على الانضمام لحركة الإخوان. وخلال بضع سنوات بلغ عدد سكانها 20 ألف نسمة تقريباً ، ودورها ترنو على 4 آلاف داراً. أنظر : طالب محمد وهيم (د) ، وآخرون ، تاريخ الوطن العربي المعاصر ، جامعة الموصل ، 1986 ، ص252 ؛ صادق السوداني ، المصدر السابق ، ص105 ؛ (الاستقلال) (جريدة) ، العدد 1262 ، 18 كانون الثاني 1928.
13. إن هذا الموقف الذي تعرض له مزعل باشا من صديقه القديم الشيخ عبد الكريم المغربي – الزعيم الروحي للإخوان - يؤكد عقم أفكار الوهابية وتناقضاتها مع ما جاء به الإسلام من مبادئ سامية تدعوا إلى المحبة والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين ، والابتعاد عن الإثم والعدوان ، إذ كيف ينعت الشيخ عبد الكريم زميله المسلم مزعل باشا بالشرك والكفر.
14. هذا يؤكد أن ابن سعود لم يكن مؤمناً بأفكار الوهابية ، بقدر ما كان مضطراً لقبولها ، خشية من تعاظم نفوذها ، وامتصاص زخمها ، والإفادة منها في دعم نفوذه السياسي في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية تحت الغطاء الديني. وقد تمكن فعلاً بمرور الزمن من ترويض هذه الحركة وتحويل نشاطها إلى الجانب السياسي.
15. تعرف هذه المدن باسم (الهجر) ومفردها (هجرة) أقامها ابن سعود منذ عام 1911 لتوطين البدو الذين انظموا للحركة الوهابية ، وسميت بهذا الاسم لان من سكنها هجر حياة الجاهلية إلى حياة الإيمان ، وهجر حياة البداوة والترحل إلى حياة الاستقرار والتحضر. أنظر : صلاح العقاد ، جزيرة العرب ، ص10 ؛ صادق حسن السوداني ، المصدر السابق ، ص101 ، هامش (13).
16. كان هدف ابن سعود من وراء توطين القبائل البدوية هو تكوين مدن آهلة بالسكان تصلح كمقرات إدارية ضمن الهيكل الإداري لدولته الحديثة ، هذا فضلاً عن ضبط سلوكهم وإبعادهم عن سبيل الغزو والتنازع ، ومراقبة تحركاتهم وتحصيل الضرائب منهم.
17. كانت قبيلة عجمان تعيش قريباً من السواحل ، وكثيرة التنقل بين الأقاليم الساحلية ، وتحظى بدعم الانكليز ، مما أصبح من الصعب على ابن سعود إجبار أفراد القبيلة ورؤسائها من الانقياد إليه ، إلا بعد مضي وقت طويل ، وبالوسائل السلمية.
18. كان الهدف الحقيقي لابن سعود في إقامة القبائل – التي تنضوي تحت جناح حركة الإخوان – في مدينة الرياض ، هو وضعهم تحت مراقبة ، وجعلهم في قبضته ، فيمكنه ذلك من توجيه قبائلهم لخدمة أفكاره ، وتحقيق مطامحه السياسية الرامية إلى تثبيت أركان حكمه وتوسيع سلطانه مستقبلاً على حساب المناطق الأخرى في شبه الجزيرة العربية.
19. ويقصد هنا ترتيب صفوف المسلمين وتراصفهم ، وأداء حركاتهم في الإقامة والركوع والسجود بشكل موحد مقتدين بالإمام الذي يتقدمهم ضمن (صلاة الجماعة). وهذا من المؤكد شيء يثير الفضول واستغراب ديكسون – لأنه لم يعهد مثل هذا النوع من مراسيم الصلاة في ديانته النصرانية.
20. على ما يبدو إن السيد ديكسون كان يخمن خطر حركة الإخوان في إمكانية توظيف المغالاة لدى أعضائها عن طريق إعلان الجهاد لخدمة أغراض سياسية غاشمة ، تسهم في مد نفوذ الحركة إلى مناطق أخرى في شبه الجزيرة العربية أو غيرها. وهذا بالفعل ما كان يسعى إليه ابن سعود وحلفائه زعماء هذه الحركة. باستغلال الجانب الديني فيها للتأثير على الرأي العام ، وتحقيق مآربهم السياسية بتكوين دولتهم المنشودة (دولة آل سعود).
21. لم يأت الإخوان (الوهابية) بشيء جديد في مجال الوحدانية ، لان الإسلام اقر ذلك وضمناً في القرآن الكريم والسنة النبوية ، كما أنهم كانوا يرون إن جميع المسلمين – عداهم – قد فسروا التوحيد تفسيراً خاطئاً ، وفهموه فهماً لا ينطبق على الواقع ، ولا يخرجه عن حقيقة الشرك ، وعملوا بما فهموا ، إذ إن جميع المسلمين – من وجهة نظرهم – مشركون من حيث لا يدرون ولا يشعرون. أنظر : احمد أمين ، زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، بيروت ، (د.ت) ص11-12 ، وضمن هذا السياق نجد (الوهابية) يؤمنون بطاعة الإمام (إمام حركتهم) ، وان الإمامة لديهم تقر بالنص ، فلماذا إذن ينكرون ذلك على الشيعة ويكفرونهم ، الذين يؤمنون بإمامة أهل بيت النبوة ، الذي نص عليهم القرآن والرسول محمد (ص).
22. وبهذا الصدد قال محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية عن النبي محمد (ص) : ((انه مجرد طارش ، وانه مات ولم يبق فيه أي نفع)). وهنا نقول للإخوان (الوهابية) أين هذا الكلام من ذكر أسم محمد (ص) مقروناً باسم الله تعالى على المآذن والمنابر. ويحتج بقوله وعمله في كل مجال أو ميدان في الشريعة الإسلامية ، لان ميراث المسلمين ودستور عملهم هو القرآن والسنة الشريفة. وأين قولهم بأن النبي (ص) قد مات وليس له أي أهمية أو نفع من وقوله تعالى : ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) ، وقوله تعالى : ((فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) ، وقوله تعالى : ((مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ)). وقوله تعالى : ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)). وأيضاً أي معنى لقوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)). ومن ثم إن الله سبحانه وتعالى كان يبعث الأنبياء والرسل للناس رحمة منه ولطفاً بهم ، مثلما في قوله تعالى : ((رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)) ، وينذرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم.
23. وبهذا الشأن نجد (الوهابية) يكفرون (الشيعة) ويحللون قتلهم ، وسلب أموالهم ، واستحياء نسائهم بسبب موالاتهم لأهل بيت رسول الله (ص) ، بيت النبوة ومعدن الرسالة ، الذين خصهم الله تعالى في محكم كتابه بالطهارة بقوله تعالى : ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)). وأمر المسلمين بطاعتهم ، كما في قوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)). وكذلك خصهم الرسول (ص) بوراثتهم لعلم النبوة بعد القرآن المجيد ، بقوله : ((إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً ، الثقلين ، واحدهما اكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ألا وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) وهنا نجد (الوهابية) يتقاطعون مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي لم يحلل إلا قتل المشركين ، كما أنهم يكفرون (الشيعة) ويحللون قتلهم دون سواهم من بقية المسلمين ، بسبب بغض (الوهابية) لائمة أهل البيت ، علماً أنه تواتر عن النبي (ص) : ((أن حبهم علامة الإيمان ، وأن بغضهم علامة النفاق ، وأن من أحبهم أحب الله ورسوله ، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله)). أنظر : محمد رضا المظفر ، عقائد الأمامية ، بيروت ، 1966 ، ص323.
24. ويقصد (الأخوان) هنا قبب وأضرحة أئمة أهل بيت الرسول عليهم السلام ، إذ أن من تعاليم (الوهابية) هدم هذه الأضرحة ، ونهب ما فيها تحت ذريعة (خير القبور الدوارس) ، ولكن لا يعلم (الوهابية) مدى الفوائد الدينية ، والاجتماعية لزيارة هذه القبور ، مما جعلها تستحق العناية من الأئمة أنفسهم ومن المسلمين عامة. فإنها في الوقت الذي تزيد من رابطة الولاء والمحبة بين الأئمة ومؤيديهم ، وتجدد في النفوس ذكر مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل الحفاظ على بيضة الإسلام ، تجمع في مواسمها المسلمين من شتى بقاع الأرض ، ليتعارفوا ويتآلفوا ، وتطبع في قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى ، والانقطاع إليه ، وطاعة أوامره ، وتعريفهم بحقيقة التوحيد ، والاعتراف بقدسية الإسلام والرسالة المحمدية. وكل ذلك يتم عبر آداب الزيارة من إقامة الصلاة ، والقول بالأدعية المأثورة ، تقرباً إلى الله تعالى وسعياً لعبادته لا سواه ، مثلما ورد في الدعاء الذي يقال بعد صلاة الزيارة : ((اللهم لك صليت ، ولك ركعت ، ولك سجدت وحدك لا شريك لك ، لأنه مني زيارتي وأعطني سؤالي بمحمد وآله الطاهرين)). وهنا يؤكد إن زيارة المسلمين لهذه المراقد الشريفة تعزز الروح الإيمانية لديهم بوحدانية الخالق وعظمته ، على عكس ما يتصوره الوهابية.
25. يعتبر (الإخوان) التدخين من الذنوب الكبيرة (الكبائر) وبذلك يحملون معظم الناس كبائر الذنوب ، بينما لا نجد في الإسلام ما يحرم أو ينهي عن التدخين ، عدا ما يذهب العقل كالأفيون والحشيشة ، كما أن في الوقت الذي يمنع فيه (الإخوان) شرب الكحول باعتباره من الذنوب الكبيرة ، فان الإسلام يحرمه بشكل قاطع. وبهذا الصدد نجد أن محمد بن عبد الوهاب (زعيم الوهابية) يأمر الناس بالمعروف ولا ينهى نفسه عن المنكر ، إذ انه كان يشرب الخمر حتى الثمالة ، ويعاشر المومسات المسيحيات واليهوديات تحت ستار (زواج المتعة). أنظر : مذكرات مستر همفر – الجاسوس البريطاني في البلاد الإسلامية ، ترجمة الدكتور ج.خ ، بيروت ، 1973 ، ص36-40.
26. يتفق الإخوان أو الوهابية في هذا الجانب مع المسيحية بظهور شخص ينقذ العالم من الظلم والفساد ، وهو السيد المسيح عليه السلام ، وبذلك يتقاطعون مع ما ورد في الإسلام خاتم الأديان والرسالات السماوية ، حيث تواتر في أحاديث الرسول (ص) ، والتي سجلها المسلمون على مختلف مشاربهم ، إن هذا المصلح والمنقذ من الفساد والظلم هو إمام من ولد السيدة فاطمة بنت الرسول محمد (عليهم السلام) ، ويعرف بالحجة المهدي ، يظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. ينظر : محمد رضا المظفر ، المصدر السابق ، ص332-335.
27. يرى هنا الوهابيون أو الإخوان أن البيوت يجب أن لا تكون أعلى من الكعبة في بيت الله الحرام ، كما إن من وجهة نظرهم يجب أن تكون القبور دوارس.
28. كان الإخوان يتعصبون لأمور تافهة ، إذ اعتبروا وضع (العقال) ترفاً اجتماعياً يجب تحريمه. أنظر : صلاح العقاد (د) ، المشرق العربي المعاصر ، مصر ، المطبعة الفنية ، 1970 ، ص558.
29. هناك تناقض بين الإخوان بصدد موضوع لبس العمامة ، إذ نجد البعض منهم يساير الأمير ابن سعود في لبس العقال أما خوفاً أو طمعاً ، بينما هناك آخرين يلبسون العمامة تيمناً بزعيم الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب وهذا يؤكد افتقار الإخوان أو الوهابية لجانب المبدئية والموضوعية للإيمان الحقيقي سواء في مذهبهم أم في الإسلام. وبهذا الصدد تجدر الإشارة إلى ان لبس (العمامة) يعود إلى زمن الرسول الكريم (ص) عندما وضع (العمامة) على رأس الإمام علي (ع) في خطبة حجة الوداع (غدير خم) تتويجاً له وإيذاناً بولايته للمسلمين من بعده بأمر الله تعالى.
30. وهذا دليل آخر على تطرف حركة الإخوان أو (الوهابية) وخروجهم على تعاليم الإسلام السامية ، إذ نجدهم لا يردون التحية على أبناء جلدتهم من المسلمين في الإحساء والبحرين ، علماً أن الإسلام أقر التحية وردها نصاً ومضموناً في القرآن وأحاديث الرسول محمد (ص) ، كما في قوله : ((وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)). وينطبق ذلك على المسلمين والملل الأخرى عدا المشركين. وتحية المسلمين هي (السلام عليكم) وردها (عليكم السلام ورحمة الله وبركاته).
31. وهذا دليل آخر يؤكد تعصب أفراد حركة الإخوان ، إذ أنهم لا يتورعون في استخدام شتى أنواع وسائل القوة لإجبار الآخرين على قبول أفكارهم في المناطق التي تطأها أقدامهم ، وهم بهذا لا يختلفون عن البرتغاليين الذين حاولوا فرض الديانة المسيحية على عرب الخليج بأرذل الوسائل. وقد تجلت عنصريتهم في هجماتهم المتكررة على أطراف العراق الغربية ، وخاصة مدينتي كربلاء والنجف المقدسة في العقود الأولى من العهد الملكي ، مستغلين ضعف حكومة العراق آنذاك وخضوعها للانتداب البريطاني ، ولم تتوقف غارات الإخوان على العراق إلا بعد عام 1930. وهذا يدحض ما أشار إليه ابن سعود ، بأنه لم يتمكن من إيقاف نشاطهم – الإخوان – حتى نهاية عام 1919. أنظر : عبد الرحمن البزاز ، العراق من الاحتلال حتى الاستقلال ، ط3 ، بغداد ، 1967 ، ص265.
32. على ما يبدو أن نظرة السيد ديكسون بشأن الأعراف القبلية في شبه الجزيرة العربية قاصرة وقتذاك ، إذ انه لم يعلم بان هذه التقاليد القبلية من أهم وسائل الضبط الاجتماعي التي تسهم في ضبط سلوك الأفراد في وسط المجتمع القبلي ، لاسيما إن إمارة ابن سعود كانت آنذاك تفتقر إلى مؤسسات قضائية رسمية واضحة المعالم. هذا فضلاً عن أن ابن سعود اعتمد منذ بداية تكوين دولته على قوة القبائل كمادة رئيسية لجيوشه التي استعان بها لتوسيع نفوذه في الأنحاء الأخرى لشبه الجزيرة العربية ، أو لصد هجمات أعدائه ، لذا من غير الممكن أن يقضي ابن سعود كلياً على التقاليد القبلية ، لان ذلك قد يؤجج القبائل ضده. ومن جانب آخر عدم اعتراف ابن سعود بهذه التقاليد والأعراف في محيطها القبلي شيء آخر. وضمن هذا السياق فمن المؤكد كان على ابن سعود أن يترك للتقاليد القبلية أن تأخذ مجالها بين أفرادها في البادية.
33. الشريف حسين بن علي ، هو أمير الحجاز للمدة (1908-1924). وقد استخدم ابن سعود قوات الإخوان في صد زحف الشريف حسين على أراضيه. وقوات الإخوان هم في الأصل قبائل بدوية قرر ابن سعود ابن سعود توطينها في الواحات وحول الآبار الارتوازية ، وفي القرى التي أنشأها لهذا القرض منذ عام 1911. وصارت تعرف هذه القرى باسم (الهجر) لان مستوطنيها هجروا حياة البداوة ، وتحلوا بتعاليم الإسلام السامية، وبهذا الصدد تنقسم قوات الإخوان إلى ثلاث فئات ، الأولى هي المجاهد الأول : وهو الذي تتكفل الدولة بتسليحه ، ويظل يحتفظ بسلاحه ، ويكون جاهزاً وملتزماً بتلبية دعوة الجهاد عندما يعلنها الحاكم ، والفئة الثانية هم (الجهاد مثنى) الذين يلبون الجهاد في الدعوة الثانية ، ويعرفون في العصر الحديث بـ (الرديف) أما الفئة الثالثة ، فتشمل جميع الذكور من سكان (الهجر) وهؤلاء يجب أن يلبوا دعوة الجهاد في حالة إعلان النفير العام من قبل علماء الدين وذلك بطلب من السلطان. أنظر : صلاح العقاد (د) جزيرة العرب في العصر الحديث ، معهد البحوث والدراسات العربية ، مصر ، 1969 ، ص10-11.
34. الزكاة : ضريبة فرضتها الشريعة الإسلامية على أموال المسلمين ، تؤخذ بمقدار (10%) على الربح المتحقق سنوياً من رأس المال. أما الميري ، فهي ضريبة حكومية تفرض – أغلب الظن – على الأراضي والعقارات والمواشي.
35. يقدر حجم المساعدات المالية التي يتلقاها ابن سعود من الحكومة البريطانية بخمسة آلاف جنيه إسترليني شهرياً. وهذا يؤكد مدى الترابط بين بريطانيا وابن سعود. أنظر : خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ، ج1 ، ط1 ، بيروت ، 1985 ، ص285.
وبهذا الصدد القى ابن سعود خطبة في مكة عام 1362هـ (1940م) قال فيها : ((ولا يفوتني في هذا الموقف أن أتمثل بأنه من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، فأثنى على الجهود التي قدمتها الحكومة البريطانية بتقديم بواخر للحجاج ، وتسهيل سفرهم ، كما أثنى على مساعدتها ومساعدة الحلفاء القيمة ، ومتابعتهم تتميم تموين البلاد ، وما يحتاجه الأهالي من أسباب المعيشة وغيرها ، وكذلك لا بد من الإشادة إلى إن سيرة البريطانيين معنا طيبة من أول الزمن إلى آخره)). ينظر : محمد جواد مغنية ، المصدر السابق ، ص106.ويلاحظ هنا أن ابن سعود يقرن شكر الله تعالى بشكر الانكليز ، فيقول من لم يشكر الناس – أي الانكليز – لم يشكر الله ، فكيف ربط ابن سعود شكر الله تعالى بشكر الانكليز ، بحيث لا يقبل الأول دون الثاني. وبعد أن ضعف الانكليز حل محلهم الأمريكيون.
36. الروبية : عملة هندية جلبها الانكليز من الهند إلى منطقة الخليج العربي خلال العرب العالمية الأولى 1914 -1918 ، وتساوي الروبية (75) فلساً بالعملة العراقية وقتذاك ، وأصل هذه الروبية وأجزاءها من فضة ، أما أضعفها فهي من الورق (5 روبيات ، 10 ، ، 100) روبية. أما (الك) فيعني ألف روبية. أنظر : عباس العزاوي ، تاريخ النقود العراقية ، بغداد ، 1958 ، ص180.
1. أصل هذا البحث مذكرة بريطانية بعنوان (ملاحظات حول حركة الإخوان) ، دونت في مايس 1920 بقلم أ.ج.أر.بي.ديكسون. والأخير هو (Lieutenant Colonel Harlod Richard Patrick Dickson) المقدم هارلود ريجارد باتريك ديكسون (1881-1959) دخل الجيش عام 1903 ، وخدم في العراق عام 1914م ، ثم نقل إلى القسم السياسي في عام 1915 ، وعين حاكماً سياسياً للناصرية للمدة 1917-1919 ، ووكيلاً سياسياً للبحرين للمدة 1919 – 1920 ، ومستشاراً لمتصرف لواء الحلة للمدة 1921-1923. ثم صار سكرتيراً خاصاً (لمهراجا باكنر) Bikaner في عام 1927 ، وسكرتيراً خاصاً للمقيم السياسي في الخليج العربي للمدة 1928 – 1929. وأصبح وكيلاً سياسياً في الكويت للمدة 1929-1936. وكذلك في عام 1941. وبعدها عين موظفاً في شركة نفط الكويت. ينظر (Peulope Tuson , British Policy in Asia , India , Office Memoranda , First Published , 1980,P.15).
2. عرف (ابن سعود) بهذا الاسم في الوثائق البريطانية ، وهو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي (1901-1953). على اثر تمكن آل رشيد من دخول الرياض عام 1883 وإنهاء حكم آل سعود لها ، انتقل عبد العزيز ووالده للإقامة في الإحساء ، ثم انتقلا منها إلى قطر ، وبعدها أقاما في الكويت بموافقة السلطات العثمانية. ونظراً لسوء العلاقة بين آل رشيد والقبائل المعارضة في نجد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ، دفع هذه القبائل إلى استدعاء عبد الرحمن بن فيصل ليتزعمها ، فاستغل ولده عبد العزيز هذه الظروف وأغار على الرياض. وتمكن من دخولها عام 1901 م ، إلا انه انسحب منها في العام نفسه ، ثم عاد إليها في العام التالي بقوة أكبر وتمكن من السيطرة عليها ، وأنشأ حكومته فيها.
ينظر للتفاصيل :
H.st.John Philby , Saudi Arabia , Published by Arnest Bennltd , (Britain 1955), p.230.
- جمال زكريا قاسم (د) ، الخليج العربي ، دراسة لتاريخ الإمارات العربية ، 1840-1914 ، ط2 ، الكويت ، 1974 ، ص300-301.
3. ويرى الباحثان ، إن ابن سعود ربما كان لا يرغب لجماعته الاتصال بالغرباء والأجانب، لكي لا يتأثروا بأفكارهم أو وجهات نظرهم ، أو قد يتم إغرائهم بالمال أو وسائل أخرى ، فيؤثر ذلك على سلوكهم وطباعهم ، وبالتالي قد يؤثر ذلك على مقدار ولائهم وطاعتهم إليه.
4. يلاحظ هنا إن المستر ديكسون يحاول جمع معلوماته بشأن حركة الإخوان عبر أكثر من مصدر ، وذلك لصعوبة الحصول عليها من مصدر واحد معين قريب من ابن سعود ، هذا فضلاً عن رغبته في تنوعها لغربلة الغث من السمين منها. ولم يتورع ديكسون – شأنه شأن الجواسيس البريطانيين – في أتباع أسلوب الجاسوسية والمخبرين في الحصول على ضالته من المعلومات. وهذا ما جبل عليه الأجانب بصورة عامة. والانكليز بشكل خاص في المناطق العربية والإسلامية. وبإتباع شتى الوسائل المغرية (المال ، الخمر ، النساء) منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي. وهذا ما يعزز رأينا آنف الذكر.
5. يتضح هنا ، إن صاحب المذكرة قد ميز بين حركة الإخوان والحركة الوهابية ، في حين أنهما وجهان لعملة واحدة ، إذ إن الإخوان هم الجناح العسكري للحركة الوهابية ، الذي يقوده ابن سعود بهدف تثبيت أركان حكمة تحت ستار أفكار ومعتقدات الوهابية المتعصبة العنصرية. وبهذا نجد إن ابن سعود يسير على هدي خطوات جده محمد ابن سعود الذي عقد تحالفاً مع محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية ، محققاً رغبتهما معاً ، بتأسيس دولة في نجد، عاصمتها الدرعية وبمباركة بريطانية ، التي قضى عليها إبراهيم باشا نجل محمد علي باشا حاكم مصر في عام 1818.
- للتفاصيل أنظر : سيار كوب الجميل (د) : تكون العرب الحديث ، ط1 ، الموصل ، 1991 ، ص309-313.
6. منذ أن انتزاع ابن سعود الحكم من آل رشيد في الرياض عام 1902 ، احتفظ هو برئاسة الحكومة وقيادة الجيش ، وترك لأبيه عبد الرحمن لقب الإمامة. ومنذ ذلك الحين أخذ يعرف ابن سعود بلقب (حاكم نجد) أو (الحاكم). انظر : محمد جواد مغنيه ، هذه هي الوهابية ، ط2 ، بيروت ، 1993 : ص105 ، وبهذا الصدد تشير وثيقة بريطانية إلى انه (يطلق على ابن سعود بالنسبة للبريطانيين لقب صاحب السعادة أو صاحب الشرف أمير نجد أو الأقسام الوسطى في شبه الجزيرة العربية. ويطلق عليه في الأقاليم التي يحكمها لقب الإمام من قبل الرجال المحترمين ، أما البدو فيطلقون عليه عادة عبد العزيز أو الحكام (جمع حاكم). وفي الرياض قد يحصل فرصة لإساءة فهم إطلاق لقب الإمام عليه ، لان هذه اللقب يخص أبيه عبد الرحمن ، ولم يقبل ابن سعود أن يطلق عليه لقب الأمير لان هذا اللقب يطلق عادة في الريف على رؤساء المدن والقرى ، وهو يفضل اللقب الرسمي (حاكم نجد). أنظر :
1.0.B286,p6. Ibn Suud, Notes by colonel Hamilton , Political Agent , Kuwait , based on conversation at Riyadh in November 1917.
7. ابن جلوي : هو عبد الله ابن جلوي ، من الإتباع المقربين لابن سعود ، وقد بادر إلى قتل عجلان وأفراد حاميته أثناء هجوم ابن سعود على الرياض عام 1902 ، وكان أميراً على منطقة القصيم ، وعند احتلال العثمانيين القطيف واعتدائهم على السكان هناك عينه ابن سعود أميراً عليها ، فساد الأمن فيها بعد ذلك. أنظر : ((نظرة في الإحساء)) ، مجلة لغة العرب ، الجزء الأول ، السنة 3 ، تموز 1913، ص40 ؛ ومحمد جواد مغنية ، المصدر السابق ، ص105.
8. يظهر إن ذهاب (الإخوان) إلى مكة يحدث مشاكل معينة تتمثل بتعصب هؤلاء تجاه بعض عقائد الإسلام في مكة ، فينعكس هذا على العلاقات بين أمراء الحجاز وابن سعود. فكان الأخير يخشى هذا الأمر ، لأنه كان بأمس الحاجة إلى الاستقرار بهدف تثبيت أركان حكمه.
9. يعتقد صاحب المذكرة إن أفكار حركة الإخوان ، والتي هي تجديداً للحركة الوهابية ، مستوحاة من المدرسة السلفية التي أشرف عليها الإمام احمد ابن حنبل الخلافة العباسية ، إلا إن الحقيقة غير ذلك. إذ إن الوهابية جاءت تطبيقاً عملياً لأفكار ابن تيمية المتطرفة ، التي ظلت في بطون الكتب لعهد طويل حتى أحياها محمد بن عبد الوهاب. إلا أن الأخير درس الفقه الإسلامي على مذهب احمد بن حنبل.
10. شكلت الحركة الوهابية آنذاك خطراً كبيراً على نفوذ العثماني ، في منطقة المشرق العربي بسبب سيطرتها على وسط شبه الجزيرة العربية ، ومنطقة الحجاز ، وتوجهها نحو بلاد الشام. وأطراف العراق الغربية ، وعرقلتها لسير القوافل التجارية والحجيج القادمين من مصر والشام والعراق ، وحرمانها الباب العالي من موارد مادية مهمة جداً ، هذا فضلاً عن تخوف العثمانيين من سيطرة الوهابيين على الحرمين الشريفين في مكة والمدينة ، فتفقد الخلافة العثمانية هيبتها في العالم الإسلامي ، لاسيما وان المسلمين قد ضاقوا ذرعاً من تعسف الوهابيين وتطرفهم ، بسبب إجبارهم الناس على قبول أفكارهم المتطرفة بالقوة، وإتباعهم أسلوب النهب والسلب للأموال والممتلكات ، وعدم تورعهم عن قتل الشيوخ والنساء والأطفال. مما دفع السلطان محمود الثاني (1808-1839م) للاستعانة بوالي مصر محمد علي باشا – الذي كان يمتلك جيشاً قوياً – فلبى الأخير نداء السلطان ، بهدف تحقيق طموحه بتكوين دولة حديثة تضم أطراف المشرق العربي ، وقلقه من النفوذ البريطاني في منطقة الخليج العربي. فأرسل ابنه إبراهيم باشا بجيش كبير ، تمكن به من دحر الوهابيين واحتلال عاصمتهم (الدرعية) في عام 1818م. أنظر : عبد الرحمن (د) تاريخ العرب الحديث والمعاصر ، ط2 ، القاهرة ، ص79-90.
11. الإخوان : اشتقت هذه الكلمة من نظام (المؤاخاة) في الإسلام الذي عمل به الرسول محمد (ص) بعد هجرته من مكة إلى المدينة المنورة ، إذ آخى بين المهاجرين والأنصار. وظلت كلمة الإخوان خالدة في قلوب المسلمين ، حتى أطلقها جماعة ابن سعود على أنفسهم ، وهم سكان الهجر التي أقامها ابن سعود ، ويمثلون نواة الجيش شبه النظامي الذي اعتمد عليه ابن سعود في إقامة دولته. أنظر : زاهية قدورة ، شبه الجزيرة العربية وكياناتها السياسية ، بيروت ، (د.ت) ، ص51 ؛ صادق حسن السوداني ، جماعة الإخوان ، جيش ابن سعود النظامي ، مجلة الخليج العربي ، العدد 10 ، مركز دراسات الخليج العربي ، 1978 ، ص100.
12. الارطاوية : وهي أول مدينة (هجرة) أسست للإخوان في عام 1912 على آبار الارطاوية ، وسكنها سعد بن مثيب من حرب ، ولم يكن فيها قبل التأسيس داراً واحدة ، بل كانت مورد ماء من موارد نجد الشمالية الشرقية ، وتقع شمال شرق الزلفى على الطريق من الكويت إلى القصيم. وأعطيت لفيصل بن سلطان الدويش وجماعة من مطير بعد أن وافق الدويش على الانضمام لحركة الإخوان. وخلال بضع سنوات بلغ عدد سكانها 20 ألف نسمة تقريباً ، ودورها ترنو على 4 آلاف داراً. أنظر : طالب محمد وهيم (د) ، وآخرون ، تاريخ الوطن العربي المعاصر ، جامعة الموصل ، 1986 ، ص252 ؛ صادق السوداني ، المصدر السابق ، ص105 ؛ (الاستقلال) (جريدة) ، العدد 1262 ، 18 كانون الثاني 1928.
13. إن هذا الموقف الذي تعرض له مزعل باشا من صديقه القديم الشيخ عبد الكريم المغربي – الزعيم الروحي للإخوان - يؤكد عقم أفكار الوهابية وتناقضاتها مع ما جاء به الإسلام من مبادئ سامية تدعوا إلى المحبة والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين ، والابتعاد عن الإثم والعدوان ، إذ كيف ينعت الشيخ عبد الكريم زميله المسلم مزعل باشا بالشرك والكفر.
14. هذا يؤكد أن ابن سعود لم يكن مؤمناً بأفكار الوهابية ، بقدر ما كان مضطراً لقبولها ، خشية من تعاظم نفوذها ، وامتصاص زخمها ، والإفادة منها في دعم نفوذه السياسي في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية تحت الغطاء الديني. وقد تمكن فعلاً بمرور الزمن من ترويض هذه الحركة وتحويل نشاطها إلى الجانب السياسي.
15. تعرف هذه المدن باسم (الهجر) ومفردها (هجرة) أقامها ابن سعود منذ عام 1911 لتوطين البدو الذين انظموا للحركة الوهابية ، وسميت بهذا الاسم لان من سكنها هجر حياة الجاهلية إلى حياة الإيمان ، وهجر حياة البداوة والترحل إلى حياة الاستقرار والتحضر. أنظر : صلاح العقاد ، جزيرة العرب ، ص10 ؛ صادق حسن السوداني ، المصدر السابق ، ص101 ، هامش (13).
16. كان هدف ابن سعود من وراء توطين القبائل البدوية هو تكوين مدن آهلة بالسكان تصلح كمقرات إدارية ضمن الهيكل الإداري لدولته الحديثة ، هذا فضلاً عن ضبط سلوكهم وإبعادهم عن سبيل الغزو والتنازع ، ومراقبة تحركاتهم وتحصيل الضرائب منهم.
17. كانت قبيلة عجمان تعيش قريباً من السواحل ، وكثيرة التنقل بين الأقاليم الساحلية ، وتحظى بدعم الانكليز ، مما أصبح من الصعب على ابن سعود إجبار أفراد القبيلة ورؤسائها من الانقياد إليه ، إلا بعد مضي وقت طويل ، وبالوسائل السلمية.
18. كان الهدف الحقيقي لابن سعود في إقامة القبائل – التي تنضوي تحت جناح حركة الإخوان – في مدينة الرياض ، هو وضعهم تحت مراقبة ، وجعلهم في قبضته ، فيمكنه ذلك من توجيه قبائلهم لخدمة أفكاره ، وتحقيق مطامحه السياسية الرامية إلى تثبيت أركان حكمه وتوسيع سلطانه مستقبلاً على حساب المناطق الأخرى في شبه الجزيرة العربية.
19. ويقصد هنا ترتيب صفوف المسلمين وتراصفهم ، وأداء حركاتهم في الإقامة والركوع والسجود بشكل موحد مقتدين بالإمام الذي يتقدمهم ضمن (صلاة الجماعة). وهذا من المؤكد شيء يثير الفضول واستغراب ديكسون – لأنه لم يعهد مثل هذا النوع من مراسيم الصلاة في ديانته النصرانية.
20. على ما يبدو إن السيد ديكسون كان يخمن خطر حركة الإخوان في إمكانية توظيف المغالاة لدى أعضائها عن طريق إعلان الجهاد لخدمة أغراض سياسية غاشمة ، تسهم في مد نفوذ الحركة إلى مناطق أخرى في شبه الجزيرة العربية أو غيرها. وهذا بالفعل ما كان يسعى إليه ابن سعود وحلفائه زعماء هذه الحركة. باستغلال الجانب الديني فيها للتأثير على الرأي العام ، وتحقيق مآربهم السياسية بتكوين دولتهم المنشودة (دولة آل سعود).
21. لم يأت الإخوان (الوهابية) بشيء جديد في مجال الوحدانية ، لان الإسلام اقر ذلك وضمناً في القرآن الكريم والسنة النبوية ، كما أنهم كانوا يرون إن جميع المسلمين – عداهم – قد فسروا التوحيد تفسيراً خاطئاً ، وفهموه فهماً لا ينطبق على الواقع ، ولا يخرجه عن حقيقة الشرك ، وعملوا بما فهموا ، إذ إن جميع المسلمين – من وجهة نظرهم – مشركون من حيث لا يدرون ولا يشعرون. أنظر : احمد أمين ، زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، بيروت ، (د.ت) ص11-12 ، وضمن هذا السياق نجد (الوهابية) يؤمنون بطاعة الإمام (إمام حركتهم) ، وان الإمامة لديهم تقر بالنص ، فلماذا إذن ينكرون ذلك على الشيعة ويكفرونهم ، الذين يؤمنون بإمامة أهل بيت النبوة ، الذي نص عليهم القرآن والرسول محمد (ص).
22. وبهذا الصدد قال محمد بن عبد الوهاب زعيم الوهابية عن النبي محمد (ص) : ((انه مجرد طارش ، وانه مات ولم يبق فيه أي نفع)). وهنا نقول للإخوان (الوهابية) أين هذا الكلام من ذكر أسم محمد (ص) مقروناً باسم الله تعالى على المآذن والمنابر. ويحتج بقوله وعمله في كل مجال أو ميدان في الشريعة الإسلامية ، لان ميراث المسلمين ودستور عملهم هو القرآن والسنة الشريفة. وأين قولهم بأن النبي (ص) قد مات وليس له أي أهمية أو نفع من وقوله تعالى : ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) ، وقوله تعالى : ((فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) ، وقوله تعالى : ((مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ)). وقوله تعالى : ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)). وأيضاً أي معنى لقوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)). ومن ثم إن الله سبحانه وتعالى كان يبعث الأنبياء والرسل للناس رحمة منه ولطفاً بهم ، مثلما في قوله تعالى : ((رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)) ، وينذرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم.
23. وبهذا الشأن نجد (الوهابية) يكفرون (الشيعة) ويحللون قتلهم ، وسلب أموالهم ، واستحياء نسائهم بسبب موالاتهم لأهل بيت رسول الله (ص) ، بيت النبوة ومعدن الرسالة ، الذين خصهم الله تعالى في محكم كتابه بالطهارة بقوله تعالى : ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)). وأمر المسلمين بطاعتهم ، كما في قوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)). وكذلك خصهم الرسول (ص) بوراثتهم لعلم النبوة بعد القرآن المجيد ، بقوله : ((إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً ، الثقلين ، واحدهما اكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ألا وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) وهنا نجد (الوهابية) يتقاطعون مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي لم يحلل إلا قتل المشركين ، كما أنهم يكفرون (الشيعة) ويحللون قتلهم دون سواهم من بقية المسلمين ، بسبب بغض (الوهابية) لائمة أهل البيت ، علماً أنه تواتر عن النبي (ص) : ((أن حبهم علامة الإيمان ، وأن بغضهم علامة النفاق ، وأن من أحبهم أحب الله ورسوله ، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله)). أنظر : محمد رضا المظفر ، عقائد الأمامية ، بيروت ، 1966 ، ص323.
24. ويقصد (الأخوان) هنا قبب وأضرحة أئمة أهل بيت الرسول عليهم السلام ، إذ أن من تعاليم (الوهابية) هدم هذه الأضرحة ، ونهب ما فيها تحت ذريعة (خير القبور الدوارس) ، ولكن لا يعلم (الوهابية) مدى الفوائد الدينية ، والاجتماعية لزيارة هذه القبور ، مما جعلها تستحق العناية من الأئمة أنفسهم ومن المسلمين عامة. فإنها في الوقت الذي تزيد من رابطة الولاء والمحبة بين الأئمة ومؤيديهم ، وتجدد في النفوس ذكر مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل الحفاظ على بيضة الإسلام ، تجمع في مواسمها المسلمين من شتى بقاع الأرض ، ليتعارفوا ويتآلفوا ، وتطبع في قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى ، والانقطاع إليه ، وطاعة أوامره ، وتعريفهم بحقيقة التوحيد ، والاعتراف بقدسية الإسلام والرسالة المحمدية. وكل ذلك يتم عبر آداب الزيارة من إقامة الصلاة ، والقول بالأدعية المأثورة ، تقرباً إلى الله تعالى وسعياً لعبادته لا سواه ، مثلما ورد في الدعاء الذي يقال بعد صلاة الزيارة : ((اللهم لك صليت ، ولك ركعت ، ولك سجدت وحدك لا شريك لك ، لأنه مني زيارتي وأعطني سؤالي بمحمد وآله الطاهرين)). وهنا يؤكد إن زيارة المسلمين لهذه المراقد الشريفة تعزز الروح الإيمانية لديهم بوحدانية الخالق وعظمته ، على عكس ما يتصوره الوهابية.
25. يعتبر (الإخوان) التدخين من الذنوب الكبيرة (الكبائر) وبذلك يحملون معظم الناس كبائر الذنوب ، بينما لا نجد في الإسلام ما يحرم أو ينهي عن التدخين ، عدا ما يذهب العقل كالأفيون والحشيشة ، كما أن في الوقت الذي يمنع فيه (الإخوان) شرب الكحول باعتباره من الذنوب الكبيرة ، فان الإسلام يحرمه بشكل قاطع. وبهذا الصدد نجد أن محمد بن عبد الوهاب (زعيم الوهابية) يأمر الناس بالمعروف ولا ينهى نفسه عن المنكر ، إذ انه كان يشرب الخمر حتى الثمالة ، ويعاشر المومسات المسيحيات واليهوديات تحت ستار (زواج المتعة). أنظر : مذكرات مستر همفر – الجاسوس البريطاني في البلاد الإسلامية ، ترجمة الدكتور ج.خ ، بيروت ، 1973 ، ص36-40.
26. يتفق الإخوان أو الوهابية في هذا الجانب مع المسيحية بظهور شخص ينقذ العالم من الظلم والفساد ، وهو السيد المسيح عليه السلام ، وبذلك يتقاطعون مع ما ورد في الإسلام خاتم الأديان والرسالات السماوية ، حيث تواتر في أحاديث الرسول (ص) ، والتي سجلها المسلمون على مختلف مشاربهم ، إن هذا المصلح والمنقذ من الفساد والظلم هو إمام من ولد السيدة فاطمة بنت الرسول محمد (عليهم السلام) ، ويعرف بالحجة المهدي ، يظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. ينظر : محمد رضا المظفر ، المصدر السابق ، ص332-335.
27. يرى هنا الوهابيون أو الإخوان أن البيوت يجب أن لا تكون أعلى من الكعبة في بيت الله الحرام ، كما إن من وجهة نظرهم يجب أن تكون القبور دوارس.
28. كان الإخوان يتعصبون لأمور تافهة ، إذ اعتبروا وضع (العقال) ترفاً اجتماعياً يجب تحريمه. أنظر : صلاح العقاد (د) ، المشرق العربي المعاصر ، مصر ، المطبعة الفنية ، 1970 ، ص558.
29. هناك تناقض بين الإخوان بصدد موضوع لبس العمامة ، إذ نجد البعض منهم يساير الأمير ابن سعود في لبس العقال أما خوفاً أو طمعاً ، بينما هناك آخرين يلبسون العمامة تيمناً بزعيم الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب وهذا يؤكد افتقار الإخوان أو الوهابية لجانب المبدئية والموضوعية للإيمان الحقيقي سواء في مذهبهم أم في الإسلام. وبهذا الصدد تجدر الإشارة إلى ان لبس (العمامة) يعود إلى زمن الرسول الكريم (ص) عندما وضع (العمامة) على رأس الإمام علي (ع) في خطبة حجة الوداع (غدير خم) تتويجاً له وإيذاناً بولايته للمسلمين من بعده بأمر الله تعالى.
30. وهذا دليل آخر على تطرف حركة الإخوان أو (الوهابية) وخروجهم على تعاليم الإسلام السامية ، إذ نجدهم لا يردون التحية على أبناء جلدتهم من المسلمين في الإحساء والبحرين ، علماً أن الإسلام أقر التحية وردها نصاً ومضموناً في القرآن وأحاديث الرسول محمد (ص) ، كما في قوله : ((وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)). وينطبق ذلك على المسلمين والملل الأخرى عدا المشركين. وتحية المسلمين هي (السلام عليكم) وردها (عليكم السلام ورحمة الله وبركاته).
31. وهذا دليل آخر يؤكد تعصب أفراد حركة الإخوان ، إذ أنهم لا يتورعون في استخدام شتى أنواع وسائل القوة لإجبار الآخرين على قبول أفكارهم في المناطق التي تطأها أقدامهم ، وهم بهذا لا يختلفون عن البرتغاليين الذين حاولوا فرض الديانة المسيحية على عرب الخليج بأرذل الوسائل. وقد تجلت عنصريتهم في هجماتهم المتكررة على أطراف العراق الغربية ، وخاصة مدينتي كربلاء والنجف المقدسة في العقود الأولى من العهد الملكي ، مستغلين ضعف حكومة العراق آنذاك وخضوعها للانتداب البريطاني ، ولم تتوقف غارات الإخوان على العراق إلا بعد عام 1930. وهذا يدحض ما أشار إليه ابن سعود ، بأنه لم يتمكن من إيقاف نشاطهم – الإخوان – حتى نهاية عام 1919. أنظر : عبد الرحمن البزاز ، العراق من الاحتلال حتى الاستقلال ، ط3 ، بغداد ، 1967 ، ص265.
32. على ما يبدو أن نظرة السيد ديكسون بشأن الأعراف القبلية في شبه الجزيرة العربية قاصرة وقتذاك ، إذ انه لم يعلم بان هذه الت
منشور
2019-05-11
كيفية الاقتباس
حاتمص. م., & سلمانم. ع. (2019). حركة الإخوان في الوثائق البريطانية. لارك, 1(17), 298-316. https://doi.org/10.31185/lark.Vol1.Iss17.716