الوضع الإنسانيّ المعاصر بين الانفتاح والسّيولة
الملخص
تُعدُّ مسألة البحث في الوضع البشريّ- العموميّ، والمشترك، والذي يحاط بعالم السياسة، من الموضوعات القديمة المتجددة، والتي لاتنفك انسكاباً في واقع يجدد نفسه، وفكر ينبجس بنظريات جديدة، وفي كل لحظة من تلك اللحظات نجد أنفسنا مستغرقين معرفيّاً في السؤال عنها والغور في أسبارها. وفي وضع سيّال أو متفتح كما هو حالنا اليوم يتحتم علينا أنْ نواجه، ونحلل، ونقرر، ونستشرف كيف سيكون حال المقول والممارسة السياسيّة. وتمثل فكرة الانسكاب أو التفتح أو السيلان فكرة من الأفكار الملاصقة لمفهوم الحداثة، الذي يتخذ لنفسه تعريفاً ودلالةً نابعةً بدورها منه. فالحداثة تتضمن ذلك التجدد المستمر فهي ذلك السيّال دوماً.
ومما سبق تتضح إشكاليّة بحثنا بكونها: ما المقولات والممارسات الملائمة سياسيّاً لوضع سيّال ومتفتح كوضعنا اليوميّ؟ وكيف يمكن لها أنْ تعدّ حلاً ناجعاً وخياراً أفضلاً؟ وسنتخذ المنهج التحليليّ والمقارن آلية لبحثنا في الوصول لمعرفة ثنايا أجوبة هذه الإشكاليّة، ملتزمين مع صاحبي النظريتين كارل بوبر وزيجمونت باومان في رؤية الأول حول المجتمع المفتوح، ورؤية الثاني في الوضع البشريّ السيّال.
المراجع
كارل بوبر (1902-1994) ولد كارل رايموند بوبر في فيينا سنة1902، من عائلة عرفت باهتمامها الواسع بالمعرفة والعلم والثقافة. ابتدأ حياته العلمية بتدريس الرياضيات والفيزياء في المدارس الثانوية،وفي الوقت نفسه استمر بمتابعاته الفلسفيّة والسّياسيّة ولاسيّما اليساريّة منها. استطاع أن يشغل موقعاً مميزاً في الفلسفة المعاصرة، وعدَّ واحداً من أساطين العقلانيّة المنفتحة الذين لم يتخلوا عن ثقتهم بالعقل، ولم يتوانوا عن نبذ العنف والاستبداد، وعن التشديد على ضرورة سيادة الحوار العقلانيّ في حل الإشكاليات العالقة. في سنة 1919 اعتنق كارل بوبر الفكر الماركسي السائد آنذاك، إلاّ أنه تحوَّل عنه بعد ذلك لقناعته بأنَّ الماركسيّة تبرِّر استخدام العنف وإراقة الدماء من أجل الثورة، ورأى أنَّه من غير المقبول أو المسوغ، بل وليس من الأخلاقيّ، إنْ تم التضحية بالنفس الإنسانيّة بهذه البساطة. وكان رفض بوبر للماركسيّة قد دفعه إلى أنْ يصبح من ألد أعداء الفكر الماركسيّ، أو بالأحرى كل أيديولوجيا تؤمن بالحتمية التاريخيّة، حتى إنه ألَّف كتاباً أسمه )بؤس التاريخانيّة) وأهداه إلى ضحايا الفكر المتعصِّب والحتمي. وفي الفترة من 1937 وحتى1945، درَّس بوبر الفلسفة بجامعة كانتربري في نيوزيلندا وذلك بعد أن هاجر من النمسا خوفاً من تعقّب النازيين له فهو يهودي الأصل، وبعدها أصبح أستاذاً في معهد لندن للاقتصاد والعلوم السّياسيّة و درَّس علم المنطق ومناهج العلوم في الفترة من 1945 وحتى 1969 وفي الوقت نفسه كان يلقي سلسلة من المحاضرات العامة في أكبر الجامعات الأمريكية. في سنة 1965 منحته ملكة بريطانيا لقب "سير" وهو أعلى تشريف تمنحه لمواطن. كما منحته الدنمارك جائزة "سوننغ" من جامعة كوبنهاغن التي لم يحصل عليها إلاّ شخصيات مثل برتراند رسل. واستمر بإلقاء المحاضرات حتى بعد تقاعده حتى وافته المنية في عام 1992
ينظر: عادل مصطفى، كارل بوبر: مائة عام من التنوير ونضرة العقل، دار النهضة العربية، بيروت،ط1، 2002، ص11-15.
( ) ينظر: عادل مصطفى، كارل بوبر: مائة عام من التنوير ونضرة العقل، ص136.
( ) كارل بوبر، الحياة بأسرها حلول لمشاكل، ترجمة: بهاء درويش، منشأة المعارف، مصر، 1998، ص247.
( ) رن زنج كيو، "مجتمع بوبر المفتوح وما يحمله للانفتاح الصينيّ"، ملحق بكتاب: ينظر: عادل مصطفى، كارل بوبر: مائة عام من التنوير ونضرة العقل، ص201.
( ) كارل بوبر، المجتمع المفتوح واعداؤه، ج1، ترجمة: السيد نفادي، التنوير، بيروت، ط1، 2014، ص285.
( ) كارل بوبر، المجتمع المفتوح واعداؤه، ج2، ترجمة: حسام نايل، التنوير، بيروت، ط1، 2015، ص339.
( ) ينظر: انطوني كوينتن، "كارل بوبر"، ضمن كتاب: مجموعة مؤلفين: من فلاسفة السّياسة في القرن العشرين، ترجمة وتقديم: نصّار عبد الله، الهيئة المصريّة للكتاب، القاهرة، 2012، ص133-143.
( ) كارل بوبر، المجتمع المفتوح واعداؤه، ج2، ص395-396.
( ) ينظر: كارل بوبر، بؤس التاريخية، ترجمة: سامر عبد الجبار المطلبيّ، الدار العربية للطباعة، بغداد- العراق، ط1، 1988، ص17-18.
( ) كارل بوبر، المجتمع المفتوح واعداؤه، ج1، ص325-326.
( ) اندرو هيوود، النظرية السياسية، ترجمة: لبنى الريدي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2013، ص630.
( ) ينظر: آلان تورين، ما الديمقراطية؟، ترجمة: عبود كاسوحة، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، 2000، ص328.
( ) كارل بوبر، الحياة بأسرها حلول لمشاكل، ص250..
( ) المصدر نفسه، ص257.
( ) ينظر: المصدر نفسه، ص177.
( ) كارل بوبر، بحثاً عن عالم أفضل، ترجمة: أحمد مستجير، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1999، ص231-232.
( ) كارل بوبر، بحثاً عن عالم أفضل، ص233.
( ) انطوني كوينتون، "كارل بوبر"، ضمن كتاب: مجموعة مؤلفين، أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، تحرير: انطوني دي كرسبني وكينيث مينوج، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1987، ص82.
( ) كارل بوبر، الحياة بأسرها حلول لمشاكل، ص169.
( )كارل بوبر، المجتمع المفتوح واعداؤه، ج2، ص398.
( ) سعاد حمداش، "ابستمولوجيا الفكر السّياسيّ لكارل بوبر: قراءة في فلسفة الانفتاح والعقلانيّة النقديّة"، ضمن كتاب مجموعة مؤلفين: الفلسفة السّياسيّة المعاصرة من الشموليات إلى السرديات الصغرى، إشراف وتحرير: علي عبود المحمداوي، مراجعة: محمد شوقي الزين واسماعيل مهنانه، الروافد الثقافية- بيروت، وابن النديم- الجزائر، ص159-160.
( ) غنار سكيربك، ونلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي: من اليونان القديمة الى القرن العشرين، ترجمة: حيدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،/ط1، 2012، ص891.
شارل بودلير ) Charles Baudelaire1821-1867): شاعر وناقد فني فرنسي، من رواد الحركة الرمزية، وكان مولعا بالنقد الفني وبارعا فيه، بالرغم من سلوكه الأخلاقيّ الذي رافق إدمان الخمر والأفيون والانجراف إِلى الجنس، إلّا أنَّ البعض وصفه بالمتدين، أو بالشّاعر الميتافيزيقي، ذلك لأنَّ بودلير نفسه يعتقد أنَّ هذه الأشياء المادية (النساء، العطور، المخدرات..) أدوات للتخلص من الألم واستخلاص لحظات السعادة، عبر ضرب من ضروب الصوفية في المعرفة، والفن، ولأنها تمنحه التوهج والانطلاق لروحه وملكته الإبداعية. له ديوان شعري بعنوان "أزهار الشّر". (ينظر: عمر عبد الماجد، شارل بودلير: شاعر الخطيئة والتمرد، دار البشير، الأردن، ط1، 1997، ص15وص37).
( ) See: Charles Baudelaire, The Painter of Modern Life (1863),
http:// www.idehist.uu.sedistansilmhpmbaudelaire-painter.htm
* زيجمونت باومان (1925-2017) زيجمونت باومان، عالم اجتماع وفيلسوف بولندي. استقر منذ العام 1971م في إنجلترا بعد ما تم طرده من بولندا من قبل حملة معاداة الساميّة بترتيب من الحكومة الشيوعية التي كان يؤديها مسبقاً. بروفسور علم الاجتماع في جامعة ليدز (ومنذ عام 1990م أستاذ متقاعد) عُرف باومان بسبب تحليلاته للعلاقة بين الحداثة والهولوكوست، وأيضاً ما يتعلق بالمذهبية المادية (الاستهلاكية) لما بعد الحداثة. وفكرة السيال والصلب أو ماتعلق بفهم الحداثة والمجتمعات المعاصرة بوصفها تجليات لحالات السيلان.
ينظر: https://library.leeds.ac.uk/special-collections/collection/1530
( ) زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، تقديم هبة رءوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، 2016، ص27.
( ) المصدر نفسه والصفحة.
( ) زيجمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، ترجمة: حجاج أبو جبر ودينا رمضان، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، ط1، 2014، ص107.
( ) المصدر نفسه، ص 33.
( ) المصدر نفسه، ص33.
( ) See: John Leonard, Modernity, CPN publications PTY, Australia, 1996, p.12.
( ) زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ترجمة: حجاج ابو جبر، تقديم هبة رءوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، ط1، 2017، ص30-31.
( ) زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ص47
( ) See: Habermas, Jurgen, "Modernity versus Postmodernity", New German Critique, No.22, 1981, p.9.
( ) ينظر: زيجمونت باومان، الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانيّة، ترجمة: حجاج ابو جبر، تقديم هبة رءوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، ط1، 2016، ص 168-169.
( ) ينظر: زيجمونت باومان، الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانيّة، ص169.
( ) زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ص43.
( ) ينظر: زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ص44.
( ) تزفيتان تودوروف، اللانظام العالم الجديد، ترجمة: محمد ميلاد، دار الحوار، سوريا، ط1، 2006، ، ص65-66.
( ) المصدر نفسه، ص45.
( ) المصدر نفسه، ص64.
( ) ينظر: زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ص111.
( ) تزفيتان تودوروف، اللانظام العالم الجديد ، ص78.
( ) ينظر: زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ص29-30.
( ) زيجمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة: حجاج ابو جبر، تقديم هبة رءوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، ط1، 2017، ص136.
) James Gordon Finlayson, Habermas–very short Introduction, Oxford University press, London, 2005, p106.
( ) زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ص198.
( ) ينظر: المصدر نفسه، ص 198-199.
( ) جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة وتقديم: عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، ط1، 2001، ص17.
( ) المصدر نفسه، ص205.

