تحرير مفهوم البلاغة من الذاكرة إلى تحليل الخطاب
DOI:
https://doi.org/10.31185/lark.Vol1.Iss32.1188Abstract
تُمثّلُ العديدُ من الدراسات البلاغية التي فرضت نفسها تصوّراً يبحثُ عن الاكتمال أو مشروعاً مقروءاً منذ بداية القرن العشرين حتى يومنا هذا شكلاَ من اشكال خرق المألوف في معاينة البلاغة العربية فكراً ودرساً، في ايجاد سبل اخرى عبر صور التجديد، او التطوير، او التيسير في دائرة العمل البلاغي، وهي – بلا شك – مسبوقة بإرث بلاغيٍّ تقعّدت صورته التقسيمية مع السكاكي الذي صار (مفتاحه) قاعدة في تشكيل(ثقافة الشرح والتلخيص) التي انطلقت منذ القرن الثامن الهجري، ثمّ صار مشروع السكاكي حافزاً وهاجساً مقلقاً في وقتٍ واحد، فهو الحافز حين يكون نقطة الانطلاق نحو النظر الى الفكر البلاغي العربي ومنه العمل على ضبط التصانيف البلاغية في التراث، بدءاً من المصطلح ووصولا الى تفرّع القاعدة، لكنّ القرّاء اختلفوا فيه بين منتصر ومؤيد لمشروعه بوصفه مقعّداً، ومنظماً، ومحصياً فنون البلاغة وعلومها، وجماعة أخرى ترى فيه تعقيداً لا تقعيداً، أمّا أن يكون مشروع السكاكي هاجساً مقلقاً، فلا زال المفتاح نسقاً تعليمياً مهيمناً على الدرس البلاغي العربي، اذ لم تتمكن الكتابات البلاغية كلها التي جاءت بعده من ازاحته عن كرسي الدرس والتعليم، حتى أصطلح عليه احد الباحثين المعاصرين بأنه (البلاغة المستقرة) فهي تبقى بهذه الصفة حتى يشهد وضعها تغييراً يزيل عنها الاستقرار([i]) على رغم من وجود جماعة مناهضة لقراءته، وكتابات أخرى خرجت من سلطته، وغيرها اختارت لنفسها طريقاً آخر كما نجده في مثلث البلاغة الفلسفي في المغرب العربي (حازم القرطاجني، والسجلماسي، وابن البناء المراكشي).
وفي بدايات القرن العشرين حضر خليل أدّه اليسوعي بلاغياً عبر مجلة المشرق داعياً الى النظر في (البلاغة العربية) بما ينسجم مع متطلبات الحياة المدنية والحضارة، فمع تغيّر البلاد تتغيّر ادوات الكلام فالأدب مرآة الحياة وصورتها([ii]) وإنّ الرقي والتطور- على حد تعبير أحمد ضيف- يدعو الى سلوك طريق جديد في دراسة بلاغة العرب، لان ما يحدث في العقول يماثل ما يحدث في المجتمعات من انقلاب([iii]) أمّا المفكر التنويري سلامة موسى، فقد اعلن عن ضرورة وجود بلاغة عصرية في اللغة العربية، فالبلاغة، واللغة، والفكر كلها في خدمة الحياة؛ لأننا نمارس البلاغة من أجل الوصول إلى مستوى عالٍ من الحياة، حيث تكون بلاغة الحياة أجدر من بلاغة اللغة([iv]) ووجد أمين الخولي في البلاغة مادة من مواد النهوض بالواقع الاجتماعي حين تكون البلاغة واللغةُ لغةَ الحياة في ألوانها المختلفة، واداةَ التواصل المقبولة، اذ يثير الخولي اشكالية اللغة بين التفكير بها، او التعامل بألياتها، فالناس يتعلمون لغةً ويعيشون ويكتبون بلغة أخرى.([v]) وصولا الى كتابات مصطفى ناصف في بحث العلاقة المهمة بين الاستعارة والثقافة أو البلاغة والتعامل الاجتماعي، ومن ثمّ ما قدّمه مشروع بلاغة الجمهور من تشكيل وعي نظري وتطبيقي يسهم او يكون جزءاً من ما يمكن أن تقترحه هذه الدراسة بـ (علم البلاغة الاجتماعي) الذي لا يمكن تحقّق هذه الفرضية المقترحة من دون ان يمرّ بمرحلة (تحرير المفهوم) ومن ثمّ الكشف عن أدوات بلاغية أخرى قد تكون مضافة لما تعلمناها وعهدنا عليها، وصولا الى وظائف البلاغة المرتبطة بنوعية الخطابات المقروءة القرآنية والأدبية، والتخلّص من هاجس وصف الخطاب بالمركزي والنخبوي حتى نكون أمام بلاغة قادرة على اشغال موقعها في تحليل الخطاب.
[i] - ينظر: ما البلاغة ؟، مجدي احمد توفيق: 28
[ii] - ينظر: أصول البلاغة عند العرب، مجلة المشرق، السنة الحادية عشرة، 1908، خليل أده اليسوعي: 706
[iii] - ينظر: مقدمة لدراسة بلاغة العرب، احمد ضيف: 1
[iv] - ينظر: سلامة موسى: البلاغة العصرية واللغة العربية: 105
[v] - ينظر: فن القول: أمين الخولي: 64
