قصيدة الحياة اليومية في الشعر العراقي المعاصر في شعر عدنان الصائغ أنموذجا
DOI:
https://doi.org/10.31185/lark.Vol1.Iss6.947الملخص
يمكن القول باطمئنان شديد إن القوانين التي قدمتها القصيدة العربية المعاصرة ابتداء من مرحلة الرواد وصعودا مثلت ثورة عارمة اجتاحت جميع القيم الجمالية والسنن الشعرية التي رسخت في الذائقة العربية منذ أن استقرت في قوانين عمود الشعر على يد المرزوقي .(1) فهي لم تكن مجرد ثورة شكلية كسرت شطري القصيدة ( العجز والصدر ) وحولتهما إلى سطر شعري واحد متكرر، وليست هي أيضا تهشيما لجميع مواضع اليقين ، كما أطلق عليها ميشال أوتان ، وإبدالها بمواضع الشك .(2) بل هي كل ذلك ولكنها في الوقت نفسه تمثل تغييرا شموليا في النظر إلى القصيدة على مستوى المفهوم و المقصدية ، لقد حملت هذه القصيدة الإجابة عن سؤال مهم وخطير في الوقت نفسه ، هل يمكن أن تتنازل القصيدة عن عليائها وأبراجها العاجية ؟ كيف تخلت تلك اللغة عن برجوازيتها الكلاسية ونزلت إلى الشارع ؟ كيف تركت السيارات الفارهة وأخذت تمشي مع الإنسان وسط الزحام فيلسعها حر تموز وتجلدها أمطار تشرين ، وتتسكع معهم في الحواري والأزقة وتقف تحت نافذة صغيرة لبيت الحبية علها ترمقه بنظرة تنسيه الجوع والحرمان أو لعلها تشاركه فرحته بكتابة قصيدة انتزعت كل الأضراس بانتظار ولادتها !
ما أريد قوله أن القصيدة المعاصرة هي قصيدة الواقع في أفراحه وسعادته وأزماته وأحلامه البسيطة ، هي في جانب كبير من جوانبها قصيدة الحياة اليومية التي تسجل بطريقة أشبه بدفتر المذكرات ما نقوم به كل يوم حتى لو كان تافها في نظر الآخرين ، وهو ما جعل الناقد صلاح فضل يرى على سبيل المثال إن القصائد السيابية يمكن اعتبارها وثيقة من الدرجة الأولى لوقائع حياة السياب السياسية والإنسانية والشعورية،والسبب في ذلك كما يرى فضل أن هذه القصائد استمدها من فقرات تقلباته وصميم عالمه الداخلي المكشوف .(3)، وهذا بالضبط ما يحدث في القصيدة اليومية التي تهتم بتسجيل تلك الوقائع اليومية النفسية سواء أكانت سياسية أم اجتماعية آم أي شيء آخر متعلق بالذات ، إلا إن الشيء الذي ميز القصيدة أكثر هو انسياق لغتها اليومية مع طبيعة الحدث وتأثرها به ، وهذا يأتي بالتأكيد من مدى التصاق الشاعر بتجربته اليومية التي هي مصدر انبعاث شعريته ووجوده أيضا بوصفه ذات إنسانية ، فالشاعر المعاصر يبدو اشد إحساسا بذاته من الشاعر الرومانسي وأكثر وعيا بتجربته الواقعية .
